غالب حسن
217
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
وقال تعالى : . . . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . . . القصص : 30 . وقال تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ، إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً النازعات : 26 . وأنا أسجّل هذه الملاحظة لأننا إذا راجعنا القرآن الكريم سوف نجد أن موسى عليه السلام هو الوحيد من البشر - بما فيهم الأنبياء - الذي تشرّف بهذه المزيّة العظيمة في الحياة الدنيا ، فهو وحده الذي ناداه ربّه ، فيما الآخرون هم الذين يبادرون إلى هذا النداء ، كما في نوح عليه السلام : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ . . . ، وكذلك زكريا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ . . . كذلك أيوب وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ . . . نعم لقد نادى اللّه تعالى إبراهيم عليه السلام كما في قوله تعالى وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . . . الصافات : 104 - 106 ، ولكنّه ليس على وزن نداء موسى لأنه نداء تأسيس لمشروع النبوّة ، أي كان النداء هو حجر الأساس في هذه المسيرة منذ بدايتها وقد استمر النداء المباشر يؤدي دوره البنّاء في تصميم حركة موسى بكل تفاصيلها ، فالنداء حقيقة سارية هنا ، تشكل روح الصلة وجوهرها المتميز ، وهذا النداء بهذه القوة يتماشى مع قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، ويتماشى مع ( اصطفاء ) موسى للكلمة ، فمثل هذه التوافقات المتوالية والمتعاضدة تعطي لنداء موسى نكهة شهوديّة عميقة ومحسوسة ومتجسّدة ، وتجعل منه نداء تأسيسيا يتسم بالديمومة ، وإذا كان نداء اللّه لإبراهيم عبارة عن بشرى ، فان نداء اللّه لموسى يترجم مسيرة طويلة وشاقة ، تمخّض